20‏/02‏/2011

الـــواجِـــب

الـــواجِـــب

مجزوءة الأخـلاق بقلم: ذ. أحمـَد الفـرَّاك

تقديم:
الواجب إلزام أخلاقي خال من إكراه الغير، يختاره الفرد أو تختاره الجماعة دون أن يكون مفروضا من الخارج، ومن غير أن يترتب على الإلتزام به أي لوم أو عقاب، وإلا كان إكراها أو تهديدا. فهو إذن اختيار طوعي حر، لكن الواقع يشهد بأن أغلب الواجبات تكون قهرية. فما علاقة الواجب بالإكراه؟ وهل الخضوع للواجب نابع من الإلتزام الأخلاقي أم من ضغط القاعدة القانونية؟ وكيف تتفق كونية الواجب مع نسبية القوانين والأعراف؟ وهل مصدر الواجب وعي داخلي تلقائي أم وعي خارجي يفرضه الوضع المجتمعي؟

المحور الأول: الواجب والإكراه
هل الواجب حرية أم حتمية؟ يختاره الفرد بمحض إرادته العاقلة أم يتقبله كإكراه براني؟

1- موقف كانط: الواجب إلزام
الواجب حسب كانط أمر أخلاقي نموذجي متعالي عن المصلحة والمنفعة، مفروض على النفس والإرادة كرها من طرف العقل، الذي لا يراعي في وجوبه النتائج المنتظرة منه، بل يقدسه كفعل بديهي وغائي، يفرض إلزاميته وكونيته وشموليته. لذلك على الفرد أن يتصرف وكأنه الإرادة المشرعة، وأن تصرفه قاعدة كونية، يعامل نفسه كما يعامل الإنسانية جمعاء كغاية لا كوسيلة. أو قُلْ بعبارة مختصرة: لا غاية للواجب إلا الواجب نفسه...

2- موقف دوركهايم: الواجب إلزام ورغبة
يرى دوركايم أن التحديد الكانطي لمفهوم الواجب يحتاج إلى مراجعة، إذ الواجب الأخلاقي إلزامي من جهة، لكنه أيضا صادر عن رغبة محددة، ف "لا نستطيع أن نقوم بعمل ما فقط لأنه مطلوب منا القيام به أو لأننا مأمورون به"، بل "يتعين أن تكون الغاية الأخلاقية التي نسعى إليها مرغوبا فيها"، أي أن الواجب يتأسس على ركنين اثنين لا ينبغي الفصل بينهما، وهما الإلزام العقلي الذي تحدث عنه كانط، والرغبة التي تستحسن الواجب وتوفر له عناصر المتعة واللذة والخيرية.

المحور الثاني: الوعي الأخلاقي
ما علاقة الواجب بالوعي الأخلاقي؟ وما مصدر هذا الوعي؟

1- موقف ج. ج. روسو: الوعي الأخلاقي إحساس داخلي
الوعي حسب روسو "مبدأ فطري للعدالة والفضيلة" يولد مع الإنسان ولا تمنحه له أية جهة فيما بعد، أوبتعبير آخر: الوعي شعور داخلي غريزي على أساسه نُقوِّم سلوكات الذات وسلوكات الغير، فنستحسن منها ونستقيح، أما أفعال الوعي فهي عبارة عن أحاسيس مناسبة للطبيعة الإنسانية تمُكننا من اتخاذ معايير محددة للحُكم على نمط علاقتنا بالأشياء وبالناس، ثم تقويمها، إذ بالوعي الأخلاقي الذي يتفوق به الإنسان عن البهائم تُوفر لنا القدرة على التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل...إلخ
2- موقف س. فرويد: الوعي الأخلاقي و الأنا الأعلى
ليس الوعي الأخلاقي كيانا فطريا داخليا ومستقلا، بل هو جزء لا يتجزأ من محددات البنية النفسية والاجتماعية للفرد، ويشكل بالضبط إحدى وظائف جهاز الأنا الأعلى المتمثلة في "مراقبة أفعال ومقاصد الأنا والحُكم عليها" انطلاقا من مجموع القواعد التربوية والأخلاقية التي رسختها قيم الجماعة في ضمير الفرد (دين، أخلاق، أعراف، قوانين...)، يقول فرويد: "إن الإحساس بالذنب، وقساوة الأنا الأعلى، وصرامة الضمير الأخلاقي، كلها شيء واحد. إن الإحساس بالذنب هو تعبير عن إدراك الأنا لكونه خاضعا للمراقبة من طرف الأنا الأعلى..."


المحور الثالث: الواجب والمجتمع

ما علاقة الواجب بالهوية المجتمعية؟ وهل يقتصر الواجب الأخلاقي على فردانية الذات أم يتجاوزها إلى ضمير المجتمع؟
يتفق علماء السوسيولوجيا على أن المصدر الأساس للواجب الأخلاقي هو التنشئة الاجتماعية، التي تؤثت وعي الفرد وتُكيفه بطريقة تُصيِّره مندمجا اندماجا كليا أو جزئيا مع قيم الجماعة. يقول دوركايم: "ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع ولا يعبر إلا عنه، وإذا تكلم ضميرنا فإنما يردد صوت المجتمع فينا".

1- موقف ماكس فيبر: واجب الاقتناع وواجب المسؤولية
يميز فيبر في الواجب الأخلاقي بين مبدأين: مبدأ الإقتناع ومبدأ المسؤولية، الأول يوجه الفعل دون أن يتعلق بالنتائج سواء أكانت إيجابية أم سلبية، وتنتج عن هذا المبدأ أخلاق التملص من المسؤولية ونسبة الإخفاق والفشل والخطإ إلى الظروف الخارجة عن الذات (على الآخرين أو على الظروف). والثاني يتابع إنجاز الفعل إلى نهايته ويحرص على نجاحه مثلما يخشى الإخفاق أو الانحراف، وهذا المبدأ ينمي أخلاق المسؤولية والمساءلة الفردية عن الأفعال والاختيارات، ويُجَنِّب إلقاء اللوم خارج الذات الفاعلة.

2- موقف جون راولس: الواجب نحوالمجتمع القادم
يشير راولس إلى نوع خاص من أنواع الواجب، وهو الواجب نحو المستقبل، أي تُّجاه سكان العالم القادمين، حيث يجب التفكير في تضامن الجيل الحالي مع الأجيال القادمة على أساس مبدأ العدالة، أي "على مبدأ توفير يضمن لكل جيل أن يتلقى ما يستحق من سابقيه، كما أن عليه أن يلبي بطريقة منصفة متطلبات لاحقيه"، الأمر الذي يفرض إحداث عدالة مؤسساتية مشتركة تسهر عل التوزيع العادل للثروة بين الأجيال المتعاقبة في الزمان والمكان.. وهو الموقف الذي يتعارض مع موقف كانط الذي لا يستسيغ استفادة الجيل القادم مجانا من أعباء وعناء الجيل الحالي !
وسواء أكان الواجب اختياريا أم اضطراريا، صادرا عن وعي فردي أو عن وعي موروث، يتجه نحو الذات أو صوب المجتمع، أنتج المجتمع أم أن المجتمع هو الذي أنتجه، فإن "أصعب ما في الواجب هو القيام به" كما يقول ألان.

0 التعليقات:

إرسال تعليق