20‏/02‏/2011

السَّعـادة

السَّعـادة


مجزوءة الأخـلاق بقلم: ذ. أحمـَد الفـرَّاك


تقديم:
كلُّ الناس يتمنون أن يحيوا حياة سعيدة، مِلؤها الطمأنينة والسكينة والانشراح، إلا أنهم يختلفون في تصورهم لطبيعة هذه السعادة، ولا يتفقون في تحديدهم للوسائل الموصلة إليها، فقد نجد موضوع سعادة أحدهم تعاسةً للآخر، ووسيلة تحصيلها عند هذا مذمومة عند غيره، وهكذا. الأمر الذي يثير عدة إشكاليات فلسفية، نذكر منها:
*- إذا كانت السعادة مرتبطة بوعي الناس للواقع الذي يعيشون فيه فكيف يتحدد تمثلهم لها؟ أهي إشباع لنزوات الجسد فقط؟ أم إقناع للعقل وكفى؟ أم تَشَوُّف للقيم الروحية العليا؟ أم هي انسجام وتوافق وتداخل؟
*- هل يمكن للمرء أن يشعر بالسعادة فعلا؟ وكيف؟ أم أن السعادة مجرد أُمنية وحُلم وفكرة جميلة؟
*- أتتحقق السعادة في إطار الواجب الموضوعي المستقل عن الذات أم خارجه؟ وهل تتكامل السعادة مع الواجب أم تتعارض؟ وهل الاستجابة لنداء الواجب تُوصل إلى السعادة أم تُبْعِد عنها؟
عن هذه الإشكاليات ستجيب المحاور التالية تباعا، وبشكل مختصر:



المحور الأول: تمثلات السعادة

1- السعادة سعادات: أرسطو
إن كان جميع الناس يعتبرون السعادة هي الخير الأسمى، فإن أن هناك اختلافا بينهم في تحديد طبيعة هذه السعادة وأصلها، فمنهم من يحصرها في لذة المأكل والمشرب والملبس والمنكح (اللذة البدنية)، ومنهم من يربطها بالثروة والتشريفات والجاه والمجد والحَسَب (اللذة السياسية)، وصنف ثالث يرى سعادته في الحياة التأملية العقلية (اللذة العقلية)، وهو الصنف الذي تمثِّله قلة من الناس ارتفعت عن مختلِف مطالب الجسد وأغراض السلطة، وقصدت السعادة العميقة والأكثر متانة: سعادة العقل، التي هي سعادة في ذاتها وكل ما عداها مجرد وسيلة لتحقيقها. أما وقد رضي أكثر الناس بأن يعيشوا سجيني المتعة المادية، فهم حسب أرسطو "عبيد يختارون بمحض ذوقهم عيشة البهائم".

2- سعادة الكُمَّل: ابن مسكويه
السعادة الحقيقية ممنوع إدراكها إلا على الكُمَّلِ من الناس، وهي "شيء ثابت غير زائل، ولا متغير، وهي أشرف الأمور، وأكرمها وأرفعها"، ومحلها النفس وحدها من غير البدن، ومن ظفر بها لن يضره إن تعطلت بعض وظائف جسده أو صار سقيما، يقول ابن مسكويه: "أما الفقر والخمول وسقوط الحال، وسائرالأشياء الخارجة عنها، فليست بقادحة في السعادة البتة". أما عن اختلاف الناس في معاني السعادة فراجع إلى خَصاص كل واحد منهم: الفقير يرى سعادته في الثروة، والمريض يراها في الصحة، والذليل يراها في الجاه والسلطة...وهكذا ذواليك. إلا أن هذه السعادات هي مطلوبة لغيرها وليست مطلوبة لذاتها...

المحورالثاني: البحث عن السعادة
1- السعادة في اللذة: أبيقور
يعتبر أبيقور أن اللذة هي المبدأ الأكبر والمرجع الأهم والخير الأول الذي على أساسه ينبغي أن نُرتب جميع الاختيارات، وفي سبيله نستطيع أن نتحمل الكثير من الهَنات، فهي "بداية الحياة السعيدة ومنتهاها"، والخبر كله في إدراكها، والشر كله في تفويتها، و "كل لذة هي في ذاتها خير". إلا أن هذا المعنى للسعادة لا يفيد البتة الإسراف والتسيُّب أو "اللذات الخاصة بالفُسَّاق أو اللذات المتعلقة بالمتعة الجسديةَ، بل اللذة التي نقصدها هي التي تتميز بانعدام الألم في الجسم والاضطراب في النفس"...

2- السعادة في الاستقلال عن العامة: سينيكا
يرى سينيكا أن الواجب الأول هو تحديد طبيعة السعادة التي نريد، ثم تحديد الطريق الموصلة إليها، حتى نستطيع قياس المسافة التي تفصلنا عنها. مع الحذر التام من التيه عن الطريق أو الابتعاد عن المُرشِد الحكيم (الخبير)، أو اتباع منطق العامة (عقلية القطيع) لأنه "لا وجود لشيء أكثر تعاسة من الحياة وفق المحاكاة، لا وفق العقل...ولا وجود لدواء أفضل من الاستقلال عن العامة."...

المحور الثالث: السعادة والواجب

1- أخلاق السعادة: إبِّكْتِيتْ
من أخلاق السعادة حسب إبِّكْتيت التمييز بين مجالين: مجال الأشياء الحرة التي تتوقف علينا، ولا يملك أحد أن يزيلها (مواقفنا ورغباتنا وحركاتنا...)، ومجال الأشياء التي لا تتوقف علينا (جِسمنا وممتلكاتنا وأفعالنا...)، وهي ضعيفة وعُرضة للإعتراض والاغتراب. ويكون الإنسان سعيدا إذا ما حصل له التوفيق في هذا التمييز وعمِل على احترامه، وذلك بأن يتصرف فقط في ما يملك هو، وأن يدع ما يملكه الآخرون لأصحابه، أنذاك –يرى إبكتيت- أنه "لا أحد يمكنه أن يرغمك على أن تفعل ما تريد، لن تشكو الناس، ولن تتهم أحدا، ولن تفعل شيئا مُرغما أو مُكرها...ولن يصيبك أي مكروه".
وشقاء الناس ليس مرده إلى فِعل الغير، وإنما ناتج عن آرائهم الخاطئة التي تدفعهم إلى اتهام الآخرين وتبرئة أنفسهم، متناسين أن الواجب في الإنسان المتحضر هو "ألا يتهم إلا ذاته"، أما الواجب في الإنسان الأكثر تحضرا فهو التسليم والكف عن "اتهام نفسه وعن اتهام الآخرين".
و"إذا لم تجدْ ما تريد فأحببْ ما تجد" كما يقول إبكتيت.

2- السعادة التزام بالواجب الأخلاقي: كانط
ما يريده الإنسان ويرغب فيه يجب أن يكون هو نفسه الواجب الأخلاقي الموضوعي، وذلك بأن تتحد عبارة "يجب عَلي" مع عبارة "إنني أريد" اتحادا عمليا وشموليا، لتُكَوِّن قانونا كليا أصيلا، يُقيد أفعالنا ويُشعرنا بأننا في كامل الإحساس بالسعادة، ويُقنِعنا بأن الإمتثال اللامشروط له وحده ينير لنا الطريق لكل متعة أو منفعة أو خير. أو بعبارة أخرى: أن إرادة الإنسان وحريته متوقفة على مدى خضوعه للقوانين التي تحكم الطبيعة والمجتمع، وأن سعادته -حسب كانط- تظل رهينة المعطى الموضوعي المطلق المتمثل في تشريع الواجب الأخلاقي...

0 التعليقات:

إرسال تعليق